الجاحظ

246

رسائل الجاحظ

وأن اللّه تولى تأليفه وجعله برهانه على صدق رسوله ، وأنه لو شاء أن يزيد فيه زاد ، ولو شاء أن ينقص منه نقص ، ولو شاء أن يبدله بدله ، ولو شاء أن ينسخه كله بغيره نسخه ، وأنه أنزله تنزيلا ، وأنه فصله تفصيلا ، وأنه باللّه كان دون غيره ، ولا يقدر عليه إلا هو ، غير أن اللّه مع ذلك كله لم يخلقه . فأعطوا جميع صفات الخلق ومنعوا اسم الخلق . والعجب أن الخلق عند العرب إنما هو التقدير نفسه . فلذا قالوا : خلق كذا وكذا . ولذلك قال أَحْسَنُ الْخالِقِينَ وقال وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً وقال : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ قالوا : صنعه ، وقدره ، وأنزله ، وفصله ، وأحدثه ، ومنعوا : خلقه . وليس تأويل خلقه أكثر من قدره . ولو قالوا بدل قولهم : قدره ولم يخلقه : خلقه ولم يقدره ، ما كانت المسألة عليهم إلا من وجه واحد . [ 20 - النابتة يتابعون الإمام أحمد بن حنبل في مسألة خلق القرآن ] والعجب أن الذي منعه بزعمه أن يزعم أنه مخلوق ، أنه لم يسمع ذلك من سلفه ، وهو يعلم أنه ليس بمخلوق ! وليس ذلك يهم ، ولكن لما كان الكلام من اللّه تعالى عندهم على مثل خروج الصوت من الجوف وعلى جهة تقطيع الحروف وإعمال اللسان والشفتين ، ولما كان على غير هذه الصورة والصفة فليس بكلام ، ولما كنا عندهم على غير هذه الصفة ، وكنا لكلامنا غير خالقين : وجب ان اللّه عز وجل لكلامه غير خالق ، إذ كنا غير خالقين لكلامنا . فإنما قالوا ذلك لأنهم لم يجدوا بين كلامنا وكلامه فرقا ، وإن لم يقروا بذلك بألسنتهم فذلك معناهم وقصدهم . [ 21 - كفر النابتة ] وقد كانت هذه الأمة لا تجاوز معاصيها الإثم والضلال ، إلا ما حكيت لك عن بني أمية وبني مروان وعمالهم ، ومن لم يدن باكفارهم ، حتى نجمت [ هذه ] النوابت وتابعتها هذه العوام . فصار الغالب على هذا القرن الكفر . وهو التشبيه والجبر . فصار كفرهم أعظم من كفر من مضى في الأعمال التي هي الفسق